صالح حميد / عبد الرحمن ملوح
94
موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )
وتعطي تعليمات الإسلام الجانب المادي حقه ، ولم تنكر مطلبا من مطالبه ، بل وجهت إلى ضبطها وضبط إشباعها . ومن التوجيهات النبوية الخالدة ، إنكاره صلّى اللّه عليه وسلّم على من سولت له نفسه حرمان جسده من حقه وحاجاته الأساسية ، يروي البخاري - رحمه اللّه - : « جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يسألون عن عبادة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فلما أخبروا كأنهم تقالّوها ، فقالوا : وأين نحن من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ؟ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، قال أحدهم : أما أنا فإني أصلي الليل أبدا ، وقال الآخر : أنا أصوم الدهر ولا أفطر ، وقال آخر : أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا ، فجاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : أنتم الذين قلتم كذا وكذا وكذا ، أما واللّه إني لأخشاكم للّه وأتقاكم له ، لكني أصوم وأفطر ، وأصلي وأرقد ، وأتزوج النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس منى » « 1 » . إن الإسلام في توجيهاته لم يطغ الجانب المعنوي على الحاجات الحياتية ولكنه يعطي الجانب المعنوي مكانه وأثره حتى يؤدي غرضه ، ومن هذه القوى المعنوية التي أولاها الإسلام عنايته العقل باعتباره القوة المدركة التي يستطيع الإنسان عن طريقها أن يعقل الأمور ويميز الخير من الشر ، والنافع من الضار . 4 - ومن منطلق رسالة الإنسان فإن لديه الإمكانية والاستعداد لفعل الخير والشر ، ويكتسب جانب الخير وجانب الشر بالتطبيع لا بالطبع ، وهذا ما أوضحته الآية الكريمة : وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ « 2 » . وقوله تعالى فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها « 3 » . وهو قادر على فعل الخير وفعل الشر والأمر راجع إلى تربية الاختيار ، وقد يختار الإنسان أن يسلك سلوكا مضادا للقوانين الأخلاقية ، ولكنه لا يستطيع أن يفلت من الإطار الخلقي بعيدا عن الخير والشر « 4 » . وتعود تلك القدرة على الاختيار إلى التربية : تربية الاختيار ، وهذا ما أشار إليه الحديث الشريف : « كل مولود يولد على الفطرة ، فأبواه يهودانه ، أو ينصرانه ، أو يمجسانه » « 5 » . والحديث يتضمن تصوير حالة الاستعدادات والقدرات القابلة للتشكيل والصياغة ، ويبين أنه من خلال التربية والبيئة والتفاعل والتنشئة الاجتماعية يكون سلوك الإنسان ، وتكون إرادته وقدرته على مواجهة الشر والتغلب عليه واختيار الخير ، وعلى شكل هذه الإرادة وقوتها تكون حياة الإنسان .
--> ( 1 ) صحيح البخاري : بعناية مصطفى البغا ، ج 7 ، ص 20 . ( 2 ) البلد : 10 . ( 3 ) الشمس : 8 . ( 4 ) على عزت بيجوفتش ، مرجع سابق ، ص 84 . ( 5 ) ابن الديبع الشيباني ، تيسير الوصول إلى أحاديث الرسول ، ج 1 ، ص 23 .